السيد عباس علي الموسوي
343
شرح نهج البلاغة
فضلا عن الدنيا . . وقال تعالى ( 1 ) : لا تدُرْكِهُُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . . . ( فلا عين من لم يره تنكره ولا قلب من أثبته يبصره ) ليست الأشياء على مستوى واحد ولا ذات خصائص واحدة بل كل صنف له خصوصية وعناصر ذاتية تحكمه وتخرجه عن غيره ولذا لا يمكن إخضاعها جميعا لمقياس واحد كما لا يمكن أن يحكمها قانون واحد وقد كانت أمور كشفها العلم الحديث تقرب هذا المعنى وتوضحه فالجراثيم مثلا تفتك ببدن الإنسان وتقوض حركته وهو لا يراها بالعين المجردة - إنه يراها بالمجهر الذي يكبّرها ملايين المرات - ولولا ذلك لأمكنه إنكارها لأنه لم يرها ولكنه يكون مخطئا في إنكاره لأنه لم يستعمل لها أدواتها المعدة لها . . . واللّه سبحانه وتعالى جلت قدرته له صفات ذاتية تفوق تصور هذا الإنسان ولا يقع سبحانه تحت نظر هذا الإنسان العاجز فإذا استعمل بصره فلن يرى اللّه لقصور البصر وجلال اللّه عن ذلك ولكن مع ذلك لا يستطيع أن ينكر وجوده ويتنكر لجوده لأن العقل يحكم بوجوده ويصدق به . . . وكذلك من أثبت وجود اللّه لعقله لا يمكن أن يدعي رؤيته بعينه لأن الأول طريق معرفته دون الآخر . . . وبعبارة أخرى مختصرة إن طريق معرفة اللّه والإيمان به هو العقل فإذا حكم بوجوده فليس معنى ذلك أن يخضع للرؤية البصرية فذلك ما لا يمكن إدراكه كما أن من لم يره لا يقدر أن ينفيه لأن البصر ليس هو الطريق الصحيح لمعرفته . . . ( سبق في العلو فلا شيء أعلى منه ) علوه كما له المطلق الذي تتفرع منه الكمالات النسبية الأخرى . . . فهو العالم ، الحي ، الدائم السرمدي الأزلي وجميع صفات الكمال الذي لا يقاس بها كمال آخر مما نعرف أو نرى . . . ( وقرب في الدنو فلا شيء أقرب منه ) فهو مع كل شيء وكما قال تعالى : ( 2 ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نفَسْهُُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إلِيَهِْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . . . ( فلا استعلاؤه باعده عن شيء من خلقه ولا قربه ساواهم في المكان به ) أراد عليه السلام أن يطرد من أذهاننا ما ربما نتخيله ونتوهمه من أن استعلاؤه يبعده عنا فلا نلتقي به
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية : 103 . ( 2 ) سورة ق ، آية : 16 .